محمد العريان يكتب: موجة بيع السندات.. علامة تحذيرية للفيدرالى

أدى الجمع بين عائدات منخفضة للغاية ومستقرة نسبياً، للسندات الحكومية الأمريكية، إلى إرباك العديد من مراقبى السوق لفترة طويلة الآن، وهو ما أدى أيضاً إلى تحدى التحليلات الاقتصادية التقليدية.

وقد كان هذا الارتفاع فى العوائد خلال الأسبوعين الماضيين ملحوظاً بشكل خاص، ما فجَّر أسئلة مثيرة للاهتمام حول الأسواق والسياسات، وبالتالى الاقتصاد العالمى، وعادة توصف عوائد السندات الحكومية الأمريكية بأنها أهم مؤشر سوق فى العالم.

تقليدياً، أشارت العائدات إلى توقعات النمو، والتضخم فى أقوى اقتصاد فى العالم، وكانت أساساً للتسعير فى العديد من الأسواق الأخرى حول العالم، وعلى عكس مسارها التاريخى الطويل، انفصلت هذه المؤشرات المعيارية فى السنوات الماضية عن التطورات والآفاق الاقتصادية.

وانهارت ارتباطاتها طويلة الأمد مع الأصول المالية الأخرى، بما فى ذلك الأسهم، وأصبح محتوى معلوماتها مشوهاً وأقل قيمة عند الخروج من الأزمة المالية العالمية لعام 2008، يُعزى ذلك إلى فائض المدخرات العالمية الذى مارس ضغوطاً هبوطية مستمرة على العائدات.

مع مرور الوقت، أصبح من الواضح أن المحرك الرئيسى كان الشراء الواسع والمتوقع للسندات الحكومية من قبل أقوى البنوك المركزية فى العالم فى إطار برامج التيسير الكمى، ولا سيما الاحتياطى الفيدرالى الأمريكى والبنك المركزى الأوروبى، ولا ينبغى لأحد أن يقلل من أهمية قوة البنوك المركزية التى تتدخل فى تسعير السوق.

أدت مشتريات الاحتياطى الفيدرالى والبنك المركزى الأوروبى من السندات بتريليونات الدولارات، إلى تشويه الأسواق فى شكلها المعتاد ذى الطرفين، وشجعت الكثيرين على شراء مجموعة من الأصول تتجاوز بكثير ما كانوا سيفعلونه عادة وفقاً للأسس الاقتصادية.

وبعد كل شىء، ما هو الشيء الأكثر يقيناً من بنك مركزى مع مطبعة تعمل بشكل كامل ومستعد وقادر على شراء الأصول على مستويات غير تجارية، وتضفى هذه المشتريات الشرعية على استثمارات القطاع الخاص السابقة وتوفر ضماناً بأنه سيكون هناك مشترون جاهزون لأصول لأولئك الذين يحتاجون إلى بيعها من محافظهم المالية.

إنه نظام يشجع القطاع الخاص على «التسابق على موقع الصدارة» بين مشتريات البنوك المركزية بأسعار كانت تعتبر تقليدياً غير جذابة، ولا عجب فى أنه حتى أولئك المقتنعون بسوء التسعير الأساسى كانوا مترددين فى أن يكونوا فى الجانب الآخر من سوق السندات التى تهيمن عليها البنوك المركزية.
ورغم استمرار هذه العوامل التى لا تزال قائمة، فقد كانت العائدات تتجه لأعلى ببطء ولكن باستمرار فى الأسبوعين الماضيين من %1.30 للسندات لأجل 10 سنوات إلى %1.50، وفى ظل تراجع آفاق النمو العالمى إلى حد ما بسبب «متحور دلتا» من كوفيد- 19، كانت الدوافع مزيجاً من الضغوط التضخمية المتصاعدة والعلامات المضاعفة على أن البنوك المركزية ستكافح للحفاظ على عصر «التيسير الكمى اللامتناهى» – أى أن الأحوال المالية الفضفاضة للغاية إلى ما لا نهاية.
تضمنت الإشارات فى الأيام الماضية تصريحات من بنك إنجلترا وفائدة أعلى فى النرويج، إضافة إلى التحركات فى بعض البلدان النامية، وكلما زادت تقلبات الأسعار، زادت مخاطر حدوث فجوة مفاجئة فى العائدات؛ نظراً إلى أننا نبدأ بمزيج من العوائد المنخفضة للغاية، ووضع السوق أحادى الجانب للغاية.
وكلما زادت الفجوة، زاد تهديد أداء السوق والاستقرار المالى، وزادت مخاطر التضخم المصحوب بركود تضخمى – مزيج من ارتفاع التضخم وانخفاض النمو الاقتصادى.
ومثل كرة مغمورة بعمق فى الماء، يمكن أن يؤدى مزيج من حوادث السوق وخطأ السياسة إلى ارتفاع فى العائدات يصعب على الكثيرين التعامل معه.
والأهم من ذلك، أن هذا لا يعنى أن البنوك المركزية، وبنك الاحتياطى الفيدرالى على وجه الخصوص، يجب أن تؤخر ما كان يجب أن يبدأ بالفعل وهو الشروع فى تقليص المشتريات على نحو غريب، وظل نفس المستوى من مشتريات الأصول الشهرية (120 مليار دولار) مثل ذروة حالة طوارئ كوفيد 19 قبل 18 شهراً.
وعلى العكس من ذلك، كلما طال انتظار بنك الاحتياطى الفيدرالى، زادت تساؤلات الأسواق عن فهمه للضغوط التضخمية المستمرة، وزادت مخاطر حدوث حركات تصحيح غير منظمة فى السوق والتى تقوض التعافى الذى ينبغى أن يكون قوياً وشاملاً ومستداماً.
من جانبهم، يجب أن يدرك المستثمرون أن التأثير المفيد الهائل على أسعار الأصول من قمع فائدة البنك المركزى لفترات طويلة يأتى مع احتمالات أضرار جانبية وعواقب غير مقصودة، وفى الواقع، لا يحتاجون إلا إلى النظر فى مدى صعوبة العثور على أنواع من أصول التنويع الموثوقة التى تساعد فى دعم مزيج المحفظة القديم المكون من العائد المحتمل وتخفيف المخاطر.

بقلم: محمد العريان

مستشار اقتصادى لمجموعتى «أليانز» و«جرامسرى»، ورئيس كلية كوينز بجامعة كامبريدج.

The post محمد العريان يكتب: موجة بيع السندات.. علامة تحذيرية للفيدرالى appeared first on Economy Plus.

إرسال تعليق

0 تعليقات